محمد متولي الشعراوي

1937

تفسير الشعراوى

إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ( من الآية 76 سورة القصص ) وهكذا نجد آيات تنهى عن الفرح وآيات تثبت للمؤمنين الفرح ، وتأمرهم به . إذن فالفرح في ذاته ليس ممقوتا ، ولكن الممقوت بعض دواعي ذلك الفرح ، فدواعيه عند المؤمن أن يفرح بنصر اللّه ، وأن يفرح بإعلاء كلمة الحق ، وهذه دواع مشروعة . ودواعيه الممنوعة أن يفرح بأن يقف أمام مبدأ من مبادئ اللّه ليدحض ذلك المبدأ ، وهذا ما يفرح به الكافر ، ولكن الفرح الحقيقي هو الفرح الذي لا يعقبه ندم ، ففرح المؤمن موصول إلى أن تقوم الساعة ، وموصول بعد أن تقوم الساعة . ولكن فرح الكافر والمنافق وأهل الكتاب الذين يصورون اللّه على غير حقيقته فرح موقوت وممقوت ، إذن فذلك لا يعتبر فرحا ؛ لأن الندم بعد الفرح يعطى عاقبة شر ؛ لأن النادم يتحسر دائما على فعله فهو في غم وحزن . فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يعطى للمؤمن مناعة ، إنكم أيها المؤمنون تواجهون معسكرات تعاديكم . هذه المعسكرات ستفرح بما أتته ضدكم فيجب ألا يفتّ ذلك في عضدكم ، ولا تحسبنهم إن فعلوا ذلك بمنجاة من العذاب ، وما دام فرحهم سيؤدى بهم إلى العذاب فهو فرح أحمق . وماذا صنع الذين جاء فيهم القول : « لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا » يحتمل أن يكون المراد هم أهل الكتاب الذين كتموا نعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأن الآية السابقة تقول : « وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ » ماذا فعل هؤلاء إذن ؟ لقد كتموا أوصاف رسول اللّه ونعته الموجود في كتبهم وفرحوا بما كتموا ، وبعد ذلك أحبوا أن يحمدوا بما فعلوا من الذين على طريقتهم في الكفر والضلال . إن الإنسان قد يأتي الذنب ولكنّه يندم بعد أن يفعله ، ولكنه حين يسترسل فيفرح بما فعل فذلك ذنب آخر ، وهكذا صار إتيان العمل ذنبا ، والفرح به ذنبا آخر ؛ لأنه لو ندم على ما فعله لكان الندم دليلا على التوبة ، أما أن يأتي العمل وبعد ذلك يفرح